انتفاضة الشعب العربي الأهوازي في الخامس عشرمن نيسان العوامل والاسباب*
تبقى انتفاضة الخامس عشرمن نيسان من عام 2005 علامة بارزة ومنعطف هام في نضال الشعب العربي الأهوازي من اجل نيل حقوقه القومية المشروعة، وكما هومعلوم فقد جاءت هذه الانتفاضة على خلفية الوثيقة الصادرة عن مكتب رئيس الجمهورية السابق التي تشكل سياسة التطهيرالعرقي لحمتها وسدها وهي تهدف اولا وأخير الى تغييرالبنية السكانية للشعب العربي الأهوازي وتذويبه في بوتقة الثقافة الفارسية عبر شتى الأساليب، منها على سبيل المثال لا الحصرالاستيلاء على الارض، وجلب المهاجرين، وسد أبواب الرزق، هذه السياسة التي تتنافى كليا والأعراف والقوانين الدولية، ورغم أن السلطات الإيرانية استطاعت إن تقمع هذه الانتفاضة عبروسائل القهروالتنكيل إلا أن جذوتها بقيت مشتعلة وها هي تدخل عامها الثاني و أن فعلها تجاوز منطقة الأهوازلينتقل إلى مناطق أخرى من إيران وما المظاهرات الصاخبة التي اندلعت في إقليم كردستان على خلفية قتل المناضل الكردي شوانه سيد قادري وانتهاك حرمته بعد قتله و الاضطرابات المتعددة في الاقاليم الإيرانية الأخرى إلا خير دليل عما نقول، ورغم أن الانتفاضة جاءت بعد تسريب تلك الوثيقة الى وسائل الاعلام الا ان سياسة الاضطهاد القومي من جهة ومحاولة الشعب العربي التخلص من هذه السياسة من جهة أخرى كانت الدافع الاساسي لها لا بل عود الثقاب الذي فجربرميل البارود.
أن السلطات الإيرانية وكعادتها وبدل من تحمل مسؤوليتها إزاء ما يجري وما لحق بشعبنا من ظلم واضطهاد، أخذت تضع اللوم والمسؤولية عما يجري في الساحة الاهوازية على العامل الخارجي حيث اتهمت الحكومة البريطانية بتفجيرالانتفاضة و ادعت أن القوات البريطانية المشاركة في احتلال العراق والمتواجدة في البصرة هي التي تقف وراء الاضطرابات في الاهواز، كما تفننت في توجيه مثل هذه الاتهامات، كاتهامنا بالإرهاب وبارتباطنا بالحركة الوهابية حيث رصدت السلطات الإيرانية الميزانيات الضخمة لمكافحة ما أسمته بالفكرالوهابي مستغلة التوجهات المناصرة لمكافحة التطرف الاسلامي وعملت لترويج أيدلوجيتها الشيعية الآرية وحاولت ان تظهرلعوام الشعب انه ليس هناك مطالب واضطهاد قومي بل هنالك مؤامرة اجنبية تهدف تغييرالمذهب السائد في الاهواز ومع الأسف الشديد فأنها في هذا المجال استعانت ببعض الإذناب العربية في حين كل من بريطانيا والقوى الوطنية والقومية الاهوازية قد رفضا هذه الاتهامات جملة وتفصيلا.
إذن ما السبب الرئيسي للقيام بمثل هذه المظاهرات ؟ و ما هي العوامل الرئيسية وراء اندلاعها؟ وفي الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها يمكن القول إن ما حدث ما هو إلا نتيجة لتراكمات كمية تحولت وبفعل سياسة الاضطهاد القومي الإيراني المستمربحق شعبنا إلى تراكمات كيفية تجلت بشكل مظاهرات سلمية شملت ولأول مرة شرائح واسعة من أبناء شعبنا العربي الأهوازي، وإذا أردنا البحث في المسببات التاريخية لهذه الانتفاضة وتقيم نتائجها لابد لنا من إلقاء نظرة ولو سريعة على الخلفيات التاريخية الناتجة عن سياسة الاضطهاد القومي والاجتماعي التي مارستها الأنظمة المتعقبة على الحكم في إيران طيلة 80 عاما.
في الحقيقة استندت في تحليلي هذا على بعض الدراسات و المقالات التي أرسلها لي بعض الإخوة المناضلين الاهوازيين في داخل الوطن والتي تتناول بالدقة والتفصيل ومن خلال لغة الأرقام أسباب اندلاع هذه الانتفاضة وبالتالي فأنني مديون لهم في إلقاء هذه المحاضرة ولضرورة السرية فانني اعتذر عن ذكر أسماءهم الا انني باسمكم جميعا أتقدم لهم بخالص التحية والاحترام واحيي صمودهم واشكرجهودهم وأتمنى لهم كل النجاح والتوفيق في سبيل خدمة قضية شعبهم المضطهد ولكي نكون دقيقين في استنباط الأسباب الكامنة وراء اندلاع هذه الانتفاضة نرى أنفسنا مجبرين على إلقاء نظرة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي كان سائدا في الإقليم قبل وبعد سقوط نظام الشاه وتوجهات النظام التنموية آنذاك حيث كان موضوع التنمية في بلادنا يسير في ثلاث محاور رئيسية وهذه المحاور هي:
1- محورالمنطقة الشمالية، وقد خصصها النظام لتوليد الإنتاج الزراعي وذلك لوفرة المياه، سوءا مياه الانهار او المياه الجوفية، وقد تأسست لتحقيق هذا الغرض شركات رأسمالية متعددة الجنسية بالتعاون مع القطاع الحكومي الإيراني وفي هذا المجال تأتي الشركات الزراعية الأمريكية على راس هذه الشركات. وقد تطرقت سابقا و بالتفصيل الى هذه الشركات والى المساحات التي في حوزتها لذلك اكتفي هنا بذكر بعض منها مثل شركة كاليفورنيا، شركة كارون للصناعة والزراعة، شركة بارس لصناعة الورق في منطقة التلال السبعة او ما تسمى به هفت تبه وشركة زراعة القصب السكري في نفس المنطقة.
2 - محورالمنطقة الوسطى: وقد خصصه النظام آنذاك للتنمية الصناعية وقد تأسست في هذا المجال شركات عملاقة مثل شركة فولاذ" خوزستان" مجموعة فولاذ الوطنية شركة نورد و صناعة الأنابيب ، فارميت الأهواز وصناعة انابيب خوزستان ، وكذلك توظيف الرساميل في القطاع المرتبط بالنفط والغاز.
3- محور المنطقة الجنوبية: وقد خصص للتنمية التجارية وتعد مواني مثل المحمرة وعبدان ومعشوروكذلك مؤسسة البتروكيمياويات في ميناء خورعبد الله من اهم المراكز للتصدير والاستيراد.
تقسيم الإقليم الى ثلاث محاور اقتصادية وتحويله فيما بعد الى شريان اقتصادي هام في خدمة الاقتصاد الإيراني جعله يتمتع بمكانة خاصة لا تضاهيها أي من المناطق الإيرانية الأخرى، وقد تبدوهذه التنمية من النظرة الاولى على انها تنمية حديثة قائمة على اسس علمية، الا انها في الحقيقة تفتقد لأبسط الاسس التنموية ونعني به التنمية الانسانية وقد ادت هذه الحالة بمفردها ومع انتصارالثورة وتضعيف الدولة المركزية الى عامل للفشل الذريع لنظرية التنمية الاقتصادية الحكومية.
لقد كان مشروع تنمية الإقليم في عهد النظام البهلوي المقبورمقارنة مع ما نشاهده اليوم يحتوي على أمورايجابية ومفيدة، الا ان هذه التنمية شهدت في العمل والتكتيك التنفيذي وبسبب احتكارالدولة للاستثمار شهدت نوعا من التناقض على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي.
ولا ننسى ان تصاعد ارتفاع أسعار النفط وخاصة بعد حرب أكتوبر تشرين الثاني من عام 1973 و الذي مكن النظام من الحصول على ارباح خيالية نتيجة عائدات البترول هي التي مكنت النظام من القيام بمشاريع اقتصادية ضخمة من بينها المشاريع المنوه لها سابقا وعلى اثر هذه التنمية شهدت مدن مثل عبدان والأهواز والمحمرة ومسجد سليمان وغيرها من المدن الاهوازية وبسبب تشجيع هجرة الفئات المتعلمة والقوة العاملة الماهرة ونصف الماهرة وكذلك وجود الشركات المتعددة الجنسية في مختلف المشاريع حدثت تطورات متسارعة غيرت طبيعة هذه المدن من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، وفي نفس الوقت فان عدم التناسب في التنمية بين بعض المدن الاهوازية بنسيجها القبلي والعشائري من جهة والمدن الصناعية والتجارية من جهة اخرى أدى الى اتساع الهوة الطبقية بين الفئات الاجتماعية بسرعة مذهلة حيث توسع الشرخ بين قطبي الغنى والفقر، وكان الفقر حليف الغالبية العظمى من ابناء الشعب العربي الاهوازي، فهاجر العديد من ابناء الريف الى المدن بسبب الكوارث التي حلت بالريف والمدن الصغيرة نتيجة لهذه السياسة ، استوطنوا في هوامش المدن ساكنين في بيوت لا تقيهم لا من حر الصيف ولا من برد الشتاء، وهم ينظرون بحسرة وألم الى ما حولهم من مدن صناعية وتجارية حديثة وأحياء راقية يسكنها الفرس والأجانب، الا ان هؤلاء المواطنين العرب رغم كل حالات التمييزوالاضطهاد القومي استطاعوا ان يجدوا لهم موطئ قدم، وان يتمكنوا من الحصول على قوتهم اليومي في بلادهم و من الحصول على فرصة عمل بسبب الوضع الاقتصادي والتجاري الذي كان ينعم به الإقليم آنذاك، ومما يؤيد هذا الادعاء ان منطقة الأهوازكانت في عهد النظام المقبور أي قبيل انتصار الثورة من حيث التنمية تحتل المرتبة الثانية بعد طهران.
وبعد انتصارالثورة في إيران حدث امرين مهمين عرقلا مسيرة تلك التنمية الصاعدة:
الامر الاول: هروب الرساميل الأجنبية ممثلة في مشاريع الشركات الزراعية العملاقة من البلاد واستيلاء النظام الجديد على هذه المشاريع، حيث تمت أدارتها تحت اسماء وعناوين جديدة مثل شركة الشهيد بهشتي وشركة الشهيد رجائي وشركة صناعة وزراعة كارون، كما ان النظام الجديد اعتمد في إدارة هذه المشاريع على الخبرات المحلية، الا ان التجارب اللاحقة أثبتت ان هذا العمل ادى الى انخفاض مستوى الإنتاج في هذه المشاريع العظيمة ورداءة المنتج الى حد كبير قياسا بما قبل انتصارالثورة ولعل مرد ذلك يعود الى ان الأساليب الزراعية التي استخدمت فيما بعد كانت نصف ممكنة وغالبا ما تم الاعتماد على العمال البسطاء غيرالمهرة وان الغالبية العظمى من هؤلاء العمال هم من ساكني مدن المناطق الشمالية مثل الشوش وهفت تبة ودسبول وشوشتر حيث يشكل العمال العرب الغالبية العظمى من العاملين في هذه المشاريع.
ومع انخفاض مستوى الانتاج وتدني مستوى نشاط هذه الشركات تم تسريح اعداد كبيرة من هؤلاء العمال من أعمالهم، واخذوا يعملون في أعمال بسيطة كباعي أرصفة و جوالين، وعلى كل الأحوال ضلت مدينتي شوشتر ودزفول ذات الأغلبية غيرالعربية افضل نسبيا من سايرالمناطق العربية الأخرى، ويمكن القول ان الغالبية العظمى من الأطباء والمهندسين والمتخصصين هم من ابناء هذين المدينتين إضافة الى ذلك فان الغالبية العظمى من المسئولين في الجهازالتنفيذي بعد انتصارالثورة هم من النخب الشوشترية والدسابلة حيث كان يحتكرهؤلاء في العقد الاول من الثورة ما يقارب 80% من المهام في الجهازالتنفيذي والعسكري والاقتصادي وهذا يعني ان عدد هؤلاء الذي يشكل 10 % من سكان البلاد قد احتفظ بما يقارب 80% من الوظائف الحكومية.
وضمن هذا السياق نظرالنظام الجديد الى ابناء الشعب العربي على انهم أناس خارجون على القانون و الغالبية العظمى منهم تتآمرعلى الثورة الإسلامية وذلك من خلال طرح مطالب قومية تعتقد الحكومة الإيرانية الجديدة انها اذا تساهلت أمامها سوف تستفحل هذه الظاهرة وتتجاوزحدودها حدود إقليم الأهوازلتنتقل الى المناطق القومية الأخرى من إيران لذلك اتسمت سياستها بعنوانيين رئيسين هما انتهاج سياسة القمع وإبعاد العرب عن ألاماكن الحساسة في الجهازالإداري والاهتمام بالمناطق ذات الكثافة السكانية غير العربية على حساب العرب وهذا ما يفسر لنا ازدواجية السلطة الجديدة في تعاملها مع المناطق الشمالية والجنوبية، ففي الوقت الذي منحت القسم الاعظم من اسهم الشركات الزراعية الحكومية الى سكان المناطق الشمالية من اللور والشوشترية والدسابلة ومكنتهم من الاستفادة من قنوات الري التي أنشأت بأموال 100% حكومية، فإنها في المقابل إضافة الى حرمان العرب من الاستفادة والتمتع بالإمكانيات الحكومية عمدت الى تخريب قنوات الري التي أنشأت بأموال المواطنين العرب، كما تم الاستيلاء ومصادرة قسم كبيرمن أراضي المواطنين العرب من قبل النظام الجديد تحت عناوين مختلفة، فعلى سبيل المثال تم إيقاف العمل بقنوات النظامية ومن ثم تم تخريبها نهائيا، ومن ناقلة القول ان هذه القنوات أنشأت باموال العرب و لو استمر العمل بها فان بامكانها أرواء عشرات الآلاف من الهكتارات من ألاراضي الواقعة في الشمال الغربي للإقليم.
ومما يثير العجب في الوقت الذي يتوقف فيه العمل في هذه القنوات واقصد بها قنوات النظامية والتي استحدثت من أموال المواطنين العرب نشاهد ونتيجة نفوذ الشوشترية والدسابلة في الجهازالسياسي والتنفيذي على مستوى الإقليم فان المشاريع الزراعية الحكومية الكبرى وقنوات الري تعطى لسكان تلك المناطق.
ولم تتوقف السياسة الى هذا الحد وإنما نشاهد هجوم الرأسمال الإيراني ممثلا بالشوشترية والدسابلة والبهبهانية والاصفهانية وغيرهم للاستثمارفي المجالات الزراعية، لعدم توفرالرأسمال العربي حيث يوفرالمستثمرغيرالعربي المضخات والبذور وتصريف المنتج وتخزينه واستنادا الى بعض الإحصائيات كان فيما مضى ما يقارب اكثر من 3500 مضخة ومكينة ماء منصوبة على ضفاف كارون والكرخة والجراحى تعود ملكيتها الى غير العرب وفي المقابل يوفرالمواطن العربي الارض وهذه العملية مستمرة منذ مدة طويلة وقد نتجت عنها كوارث وخيمة نتيجة لمحاولة المستثمرغيرالعربي والاستيلاء على أراضي المواطنين العرب.
وباختصار شديد فان نصيب المواطن العربي الاهوازي من هذه المشاريع الاقتصادية التنموية سواء في عهد النظام السابق او النظام الجديد وفي افضل الظروف هو العمالة بأجوريومية لا اكثر ولا اقل. كما ان تلك المشاريع تفتقد لاي مجالات تنموية في جانبها الانساني.
ان هذه المشاريع في الحقيقة تهدف الى تغييرالبنية السكانية للمواطن العربي لا اكثر ولا غير فهي بالتالي مشاريع ذات طابع سياسي وليس اقتصادي لان الغالبية العظمى من المتخصصين والفنيين في هذا المجال يؤكدون على فقدان جدواها من الناحية الاقتصادية لانها رغم المبالغ الكبيرة المرصودة لها سوف تؤدي الى الفشل سواء في جانبها الاجتماعي والاقتصادي وهذا ما شاهدناه بعد سقوط النظام السابق ولعل اكبر مثال نسوقه في هذا المجال فشل مشاريع الشاه السابق الرامية الى زرع وطننا في المستوطنات، مثل مستوطنة يزدنو في ضواحي أراضي منطقة الحويزة وفي الأراضي التابعة الى قبيلة بني سالة التي تركها الوافدون بعد سقوط نظام الشاه السابق مباشرة.
لقد عمد النظام













