تاريخ الأهواز عربستان - منذ عهد الأفشار حتى المرحلة الراهنة(الفصل السادس الحلقة الثالثة)

تاليف موسى سيادة
ترجمة جابر احمد
العلاقة بين شيوخ المحمرة والدولة المركزية والبختیاریین:
يقول المؤلف الاستاذ موسى سيادة ، كان الشيخ جابرشيخ اتحاد "المحيسن" في الفترة الواقعة ما بين( 1878- 1881 م، 1295-1298 هجرية قمرية) يعاني من مرض عضال لا شفاه له في المثانة وقد اوصله هذا المرض الى حافة الموت الحتمي وكان للشيخ جابر اربعة اولاد وهم : محمد، مزعل، سلمان، وخزعل، وفيما يتعلق بمحمد فيقال عنه انه رجل غير كفوء وبالتالي ليس بمقدوره ان يكون منافسا لاخوته على استلام مقاليد الامور بدلا عن والده اما الشيخ خزعل فقد كان صغير السن فبقت المنافسة تدور بين ولديه الاخرين وهما مزعل وسلمان وقد كان الشيخ مزعل وخاصة بعد وفاة والده كان اوفر حضا من بين اخوته في خلافة والده لانه وفي كثير من الامور كان يشبه والده فقد كان رحمة الله شجاعا صادقا وفيا وكريما.
و لوسنحت الفرصة لهذين الاخوين ان يتنافسا فمما لاشك فيه ان الغلبة ستكون للشيخ مزعل في هذا التنافس ، خاصة وان هناك من يعتقد ان بعد موت جابر سوف يختلف ابنائه فيما بينهم من اجل خلافة والدهم وهنا لابد من الاخذ بعين الاعتبار التدخلات الايرانية ، وفي هذا المجال صرح " عبد الله خان " معاون والي البصرة: ان ابناء الشيخ جابر في حال وفاة الشيخ جابر فان اولاده سيتقاتلون فيما بينهم ، مما يؤدي الى اضعاف العرب، وعندها سوف ينصب فارسيا على راس حكومة المحمرة! الا ان الشيخ مزعل وكما اسلفنا قبل قليل كان يتمتع بالافضلية على اخيه سلمان لعدة اسباب منها انه كان يعيش مع والده في منطقة الفيلية "مركز حكم المحمرة " وكان يشرف على ادارة امور الاتحاد نيابة عن والده .
في عام 1881- (م 1294 هجرية قمرية )تزوج الشيخ مزعل من ارملة اخيه ووفر له هذا الزواج ثروة طائلة وقد استخدم هذه الثروة في استمالة رؤساء القبائل العربية وكسب ودهم، واخير وفي نوافمبر من عام 1881 العاشر من ذوالحجة سنة 1298 توفي الشيخ جابر "نصرة الملك " في يوم عيد الاضحى بعد ان بلغ التسعين من العمر.
وفي هذا المجال ينقل المؤلف الاستاذ موسى سيادة عن مذكرات اعتماد السلطنة وما سجله عن احداث يوم 10 ذوالحجة 1298 قوله " ومن احداث ذلك اليوم هو " ظل السلطان " " مسعود ميرزا " بن ناصر الدين شاه والى اصفهان كتب عن الشيخ جابر قائلا: " الحاج جابر خان العربي " الملقب به " نصرة الملك " صاحب الاعطاءات للدولة المركزية هنيئا له لانه توفي في يوم عيد الاضحى الخ".
لعل من اهم الاحداث السياسية التي رافقت حياة الشيخ جابر قبل وفاته هو رفضه للطلب البريطاني الهادف الى الاستفادة تجاريا من نهر كارون لانه كان يعتقد ان قبول بمثل هكذا امور سوف يفتح الابواب للتدخل المباشر للاجانب في شؤون امارته . الامر الذي من شانه ان يهدد استقلاله بشكل مباشر.
بعد وفاة الشيخ جابر كان الرجل الوحيد في المنطقة الذي هو على اتصال مباشر بالحكومة المركزية ويحضى بمكانة لديها، هو والي الحويزة، اما البقية من زعماء العشائر يرفضون مثل هذا التقارب وكل واحد من هؤلاء الشيوخ كان يدير عشيرته بنفسه وكان يدفع الضرائب مباشرة الى شيخ المحمرة ولقد جرت العادة ان اي شيخ من الشيوخ يمتنع عن دفع هذه الضرائب كان امير المحمرة يعزله ويعين شيخا اخر مكانه، والدولة المركزية من جهتها لا تفكر باي شي تجاه رعاياها الا بمقدار ما يدفعونه من ضرائب لها عبر الحاكم المحلي، كما ان الشيوخ والقادة المحليين سواء كانوا في الريف او المدينة لايفكرون باعمار مدنهم او مسائل اخرى مثل الدفاع او الامن الاجتماعي وينحصر كل همهم في جمع الضرائب من رعاياهم من اجل بناء قصورا لهم والاستمتاع بملذات الحياة اليومية .
وبعد وفاة الشيخ جابر بن مرداو، استلم من بعده السلطة على الفور ولده الاكبر الشيخ محمد الا زعماء المحيسن لم يروق لهم هذا الاستلام ولم يعترفوا بمشيخيته، الامر الذي دفعه الى اللجوء الى اتحاد كعب في الفلاحية وقد انتهى به الامر في نهاية المطاف الذهاب الى اصفهان ليحل ضيفا على" ظل السلطان" حاكم خوزستان المعين من قبل الدولة المركزية وقد اعطى غياب "الشيخ محمد "عن الساحة السياسية في عربستان الفرصة الى اخيه " الشيخ مزعل" ليحل محله كامير على الاقليم، ولعل من بين الوسائل التي اتخذها في سبيل الوصول الى السلطة هو المصاهرة، وتقسيم الاراضي بين زعماء العرب، تصليح النظام الضريبي لصالح شيوخ القبائل و كذلك لصالح المجموعات التي ايدته ووقفت الى جانبه وذلك من اجل تقوية مركزه في الحكم الخ .
لقد ابدى ناصر الدين شاه احترامه لميول ورغبة قبيلة كعب و اوكل حكم المحمرة الى الشيخ مزعل ومنحه لقب " نصرة الملك " وهو نفس اللقب الذي كان يطلق على والده الشيخ جابر ، ولكن بعد عام 1889 اطلق عليه لقب " معز السلطنة " و اوكله مهمة قيادة فوج المحمرة وقيادة المدفعية ومنحه لقب "امير تومان" ايضا وهو لقب رفيع المستوى في الجيش القاجاري. ولقد بقي الشيخ مزعل مواليا للحكومة المركزية حتى نهاية حياته ، الا انه كانت لدية علاقات سرية مع الحكومة البريطانية بالرغم انه كان يعارض تواجد الجيش البريطاني في اقليم عربستان و خاصة وجود الاسطول البحري البريطاني في نهر كارون .
وكما اسلفنا سابقا حول العلاقة بين كعب البو ناصر ( حكام الفلاحية )، انه بعد احداث عام ( 1878 م ) سعى حشمت الدولة ممثل الدولة المركزية في اقليم عربستان الحصول على الضرائب مباشرة من البو ناصر وفي هذا المجال عقد معاهدة مع الشيخ جابر بن مرداو امير المحمرة و اسد الله خان معاون حشمت الدولة وكذلك احد اعيان شوشتر، تتيح له ان يجمع الضرائب مباشرة من شيوخ البوناصر ومن بينهم شيوخ الجراحي و منطقة رامز .
وبدء من عام 1883 م انحسرت سلطات الشيخ رحمة الكعبي وتدهورت الى حد بعيد وقد تحدث عنه رابرتسون بقوله " كانت سلطاته محدودة للغاية ولم تعد له اي سطوة على شيوخ القبائل الذين اخذو يعملون بشكل مستقل عنه " ولقد سعى رحمة الى استعادت سلطة البوناصر السابقة و بما انه كان يفتقد للقوة العسكرية فقد بذل قصارى جهد لكي يؤلب "مير عبد الله" حاكم نواحي الجراحي على الحكومة المحلية ( البوكاسب ) وفي عام 1883 التحق به فرع من قبيلة النصار الذي كان قد فك ارتباطه مع قبيلة المحيسن وتمردوا على الشيخ مزعل في المحمرة وقد منح هذا التمرد الشيخ رحمة واعطاه الفرصة لتقوية مركزه وقد دخل في مباحثات مع الشيخ مبارك حاكم الكويت والعدو القديم للشيخ مزعل وذلك من اجل تدبير هجوم مشترك على المحمرة الا ان الكويت لم تفي بعهدها تجاهه وبعد مناوشات محدودة ونتيجة للاختلافات الموجود داخل قبيلة كعب البو ناصر انتهى الهجوم على مدينة المحمرة الى الفشل.
لقد كانت هذه الجهود الفاشلة للاطاحة بامارة كعب البوكاسب من قبل اشقاءهم البوناصر نقطة عطف حاسمة في تاريخ كعب وهو لم يكشف عن ضعفهم الداخلي وحسب و انما مهد الطريق لتزايد التدخلات الخارجية في شؤون امارتهم الداخلية ، و خلاصة القول يمكن تلخيص سياسة شيوخ المحمرة تجاه شيوخ كعب الفلاحية على النحو التالي : اولا اضعافهم لدرجة بحيث لم يعد بامكانهم تهديد المحمرة وثانيا الاحتفاظ بهم ليكونوا سد امام الاعتداءات البختيارية، ان هذا الآمر سهل على حكومة كعب البوكاسب الى استيفاء الضرائب لان دفع الضرائب الى الدولة المركزية له دور حاسم في استقرار الاوضاع في الاقليم .
وفي 1888 عين نظام السلطنة ممثلا عن الدولة المركزية في الاقليم وقد اسمتر في منصبه حتى عام 1891 وشهد الاقليم انذاك نوعا من الاستقرار النسبي و ادى الى استقواء شوكة كعب البو كاسب ومكنهم من القضاء على الخلافاتوالحزازات التي كانت قائمة بيهم وبين البوناصر والتي استمرت 13 عاما وبعد عام 1891 ضعفت قبيلة البوناصر ولم يعد لها اي دور يذكر وآلت شؤون الاقليم كلها الى حكومة المحمرة اي الى شيوخ البوكاسب .
لقد واجه الشيخ مزعل اثناء فترة حكمه الكثير من التحديات منها تزايد تدخل الدولة المركزية في شؤؤنه الداخلية من جهة و تزايد التدخلات الخارجية من جهة اخرى و لقد كان بدء الملاحة في نهر كارون في اكتوبر من عام 1888من اهم التحديات التي واجهها مزعل اثناء فترة حكمه .
كانت مهمة الحكومة المحلية في العهد القاجارية بالضرورة تتحدد في جمع الضرائب وكذلك حفظ الامن العام، وخلال العقد الاول من القرن التاسع عشر ( 1888) كان موضع جمع الضرائب يجري على اساس التاجير ( المزايدة الضرائبية ) الا ان موضوع حفظ الامن لا تخصص له الا ما نسبته 10%ى من هذه الضرائب ، وهذه النسبة لا تتيح للحاكم المحلي تجنيد اكبر عدد من المواطمين لتولى مسؤلية تحقيق الامن بشكل افضل ، وقد كانت الحكومة المركزية مدركة لذلك وهي تخشى اذا تمركز القوى العسكرية والموالية بيد شخص واحد سواء من ابناء القبائل او احد الاشخاص المعروفين سوف يؤدي الى استقواءه الى اكثر من المسموح به مما يعقد الاوضاع مستقبلا في المنطقة من هنا كانت خطة الحكومة المركزية تكليف مهمة حفظ الامن لداخلي العام الى عدد من رؤساء العشائر وليس الى شخص او شيخ بمفرده لانها كانت تخشى ان تمركز المهام العسكرية و المالية سوف يؤدي الى ازدياد قوة ذلك الشيخ او القبيلة الامر الذي من شأنه ان يعقد الاوضاع ويضعف دور الدولة المركزية. اما فيما يتعلق بمسألة الحدود و الدفاع الخارجي فكانت هذه المهمة منوطة بافراد يسمون "سر حدار " او ما يمكن ترجمته بحرس الحدود، وفي اقليم عربستان كانت مهمة حرس الحدود تقع على عاتق امراء المحمرة الذين استلموا هذه المهمة من بعضهم البعض بالواراثة وكانت مسؤليتهم الاولى تنحسر في حراسة الحدود من ناحية شط العرب، اما الحدود مع الدولة العثمانية الواقعة في مناطقة الكرخة ودزفول فقد اوكلت الدفاع عنها الى السيد على الطالقاني وكريم خان من قبيلة يار احمدي وكان بامكان حراس الحدود هؤلاء وفي سبيل تسهيل امورهم من الناحية المالية اقتطاع جزء من اموال الضرائب السنوية التي تجمع وذلك قبل تسليمها الى الدولة المركزية .
وقد كانت هذه الاجراءات ترضي طرفي المعادلة( الايالات و الولايات ) اي الدولة المركزية وحراس الحدو
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ